د. عبدالرحيم جاموس يكتب : الكيان الصهيوني و إستنفاذ دور الضحية المتميزة

الكيان الصهيوني و إستنفاذ دور الضحية المتميزة ، وانكشاف حقيقة إسرائيل العنصرية ...!!

 
بقلم / د. عبد الرحيم جاموس
الضحية المتميزة وحدها التي تستحق الرثاء والحزن والشعور بعقدة الذنب الدائم والمتواصل وتستحق التعويض المستمر، إنه الإبتزاز بعينه، لقد تمكنت الحركة الصهيونية من تصوير التاريخ اليهودي برمته منذ الأزل إلى اليوم على أن اليهود كانوا عبرَّ التاريخ ضحية إضطهاد مبرمج، يقتضي أن يتوقف هذا الإضطهاد، وأنه لن يتوقف إلا إذا أقيم لليهود وطن قومي يعيشون فيه بأمن وسلام، ويعوضهم عن قرون من الشتات والعذاب والحرمان والإضطهاد، وقد جاءت أفعال النازية الهتلرية الألمانية في الحرب العالمية الثانية وبتواطئ مع الحركة الصهيونية لتعزز هذا النهج وهذا المفهوم في إرتكاب المجازر والمحارق بحق أعداد كبيرة من يهود ألمانيا خاصة وأوروبا عامة.
الثنائية النازية الصهيونية بأفعالها ودعايتها أكدت على وضع اليهود (كضحية متميزة) وبغض النظر عن أعداد اليهود الذين ذهبوا ضحية هذه السياسات النازية خلال الحرب العالمية الثانية، ورغم الملايين الذين أزهقت أرواحهم من غير اليهود، فإن الضحايا الذين يجب التوقف عندهم فقط هم ضحايا اليهود حسب رأي الحركة الصهيونية ، وكأن الحرب العالمية الثانية وما شهده العالم من خراب وقتل ودمار أصاب الملايين من البشر في أوروبا وخارجها حيث ساحات القتال التي لم تكن تميزُ بين الجنود والمدنيين ضحايا عادية لا تستحق التوقف عند مقتلها ...!
هنا يتم (تَكَرَّسَ مفهومُ الضحية اليهودية المتميزة) وتثبيت هذا المفهوم في العقل الإنساني ، وما تعرض له اليهود في الحرب العالمية الثانية، و يستوجب من ألمانيا وعموم أوروبا أن تقر بالذنب والخطأ وبالمسؤولية عما تعرض له يهود ألمانيا وأوروبا ...!
لتكريس هذا المفهوم في العقل اليهودي خاصة والعقل الأوروبي عامة، جرى العمل على إقامة النصب التذكارية للمحرقة أو المحارق التي نظمتها النازية في ألمانيا وبعض دول أوروبا التي وقعت تحت الإحتلال النازي، في حين أن المسؤولية تقع بالدرجة الأولى على النازية الألمانية التي أرتكبت مثل هذه الإنتهاكات والمجازر سواء في حق اليهود أو غيرهم ممن تعرضوا للقتل والتهجير والتنكيل، بسبب تلك الحرب الظالمة وما نتج عنها من جرائم ضد الإنسانية ، وهكذا فقد تحملت ألمانيا ما بعد النازية المسؤولية الأخلاقية والقانونية وإلتزمت بدفع تعويضات (لإسرائيل) كممثل لليهود ومعها بقية دول أوروبا ، حيث واصلت الحركة الصهيونية وكيانها (إسرائيل) إبتزاز دول أوروبا جميعها ماديا واخلاقيا ، بسبب هذه الخاصية التي تميز بها الضحايا اليهود في الحرب العالمية الثانية، في حين على العالم أجمع أن ينسى ملايين الضحايا الآخرين من البشر الذين ازهقت ارواحهم جراء تلك الحرب وتلك السياسات العدوانية .
فقد جرى الإبتزاز المادي والسياسي والأخلاقي والقانوني إلى درجة أنه على أوروبا أن تغض الطرف عن الجرائم التي ارتكبتها الحركة الصهيونية عبر جريمة الإغتصاب التي تمت في حق فلسطين والتي قامت بها الحركة الصهيونية وتحالفها الإستعماري عقب الحرب العالمية الثانية، وما نتج عنها من تشريد وتهجير وقتل للشعب الفلسطيني، كأن الشعب الفلسطيني هو المسؤول عن تلك المجازر والإضطهاد الذي تعرض له اليهود عبر التاريخ وعلى يد النازية في الحرب العالمية الثانية، وقد إتخذت الصهيونية (ممثلة الضحية اليهودية) من هذه الجرائم مُبرراً لإرتكاب وتكرار نفس الجريمة التي أرتكبت في حق اليهود أن ترتكبها في حق شعب مسالم آمن وهو الشعب الفلسطيني وعليه أن يدفع ويقدم وطنه هدية لليهود لإقامة وطنهم القومي عليه، تعويضاً لهم عما لحق بهم من أذى واضطهاد في أوروبا ..؟!
أي منطق إجرامي هذا الذي يبيح (للضحية) أن تتحول إلى قاتل وسفاح ومعتدٍ ومجرم، بحجة التكفير عن ذنب الآخرين، وتعويضاً لهم عن دور الضحية المتميزة الذي لعبه اليهود ووظفته الحركة الصهيونية وتحالفها الإستعماري لإغتصاب فلسطين وإقامة الكيان الصهيوني (إسرائيل)...!
اليوم قد بدأ يصحو بعض الضمير العالمي والأوروبي على هذه الفرية والأكاذيب الصهيونية التي وصلت إلى درجة الإبتزاز والإستغباء للعقل العالمي عامة والأوروبي خاصة، وفي هذا السياق نرى صحوة الرأي العام في أوروبا على المستوى الشعبي والرسمي في ضرورة الإقرار بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته الفلسطينية المستقلة ، ووضع حدٍ لمعاناته المستمرة على يد الكيان الصهيوني (اسرائيل) وذلك بإنهاء إحتلاله للأراضي المحتلة في عام 1967م وإقامة دولة فلسطين، والتأكيد على حق الشعب الفلسطيني المشرد بالعودة إلى وطنه وفق القرار 194 لسنة 1948م، كما تتمثل هذه الصحوة الأوروبية في التعبيرات والمواقف السياسية الصادرة عنها والتي باتت تضيق ذرعاً بسياسات إسرائيل التوسعية والعنصرية تجاه الشعب الفلسطيني وما ترتكبه (اسرائيل) من جرائم منظمة في حق الفلسطينيين ، لقد عبرت العديد من المنظمات والأحزاب والبرلمانات والحكومات للدول المختلفة عن شجبها وادانتها لهذة السياسات المنتهجة من قبل اسرائيل .
لقد تأثرت صورة اسرائيل سلبيا لدى مساحات واسعة من الرأي العام الدولي جراء سياساتها وممارساتها المنافية لحقوق الإنسان ولمبادى القانون الدولي العام ، فلم تعد اسرائيل ذلك الحمل الوديع الذي يحتاج للرعاية والإحتضان..
ومن الأمثلة على ذلك ما أقره البرلمان البولندي وصادق عليه الرئيس البولندي في عام 2018 م ، والذي مفاده( رفض الإقرار بمسؤولية بولندا عن المحارق والمجازر التي تعرض إليها اليهود في بولندا إبان الإحتلال النازي لها) ، تأكيداً على بدء التخلص من عقدة الذنب التي حُملت للشعوب والدول الأوروبية مجتمعة إزاءها، ونحن إذ لا ننكر ما تعرض إليه اليهود من إضطهاد ومجازر شأنهم شأن الآخرين من ضحايا الإضطهاد والعنف والحروب في الحرب العالمية الثانية وغيرها، نؤكد على ضرورة إستنكار كافة الجرائم التي لحقت بالضحايا دون تمييز، ولا يجوز لضحية ما أن تأخذ من إضطهادها وما لحق بها من أذى مبرراً ومسوغاً لإلحاق الأذى بالآخرين، وأن تتحول الضحية إلى قاتل ومجرم جديد ..!
على جميع دول أوروبا أن تتخذ الموقف نفس الموقف والقرار الذي أتخذته الدولة البولندية، وتعمل على التخلص من عقدة الذنب التي لازالت تلاحق أوروبا وتلازمها، ووقف سياسات الإبتزاز المادي والسياسي للدول الأوروبية عن جرائم إرتكبت من قبل نظام بائد (النظام النازي) والذي أفعاله في حق اليهود وغيرهم مدانة ومستنكرة، والتأكيد على عدم التمييز بين ضحية وأخرى، فالضحية هي ضحية ولا يمكن أن نقيم تمايزاً بين ضحية وأخرى، فالشعب الفلسطيني اليوم ومنذ أكثر من اربعة وسبعين عاماً ضحية للكيان الصهيوني وحلفاءه، وهو ضحية ماثلة للعيان ، و رغم ذلك تواصل (إسرائيل) عدوانها اليومي عليه و تواصل أفعالها الإجرامية في حق الشعب الفلسطيني، إنه ضحية قيام (إسرائيل) فوق أرضه، ومواصلتها سياساتها الإجرامية والعنصرية في حقه دون رادع ودون إعتبار للشرعية الدولية .
لقد اتخذت بعض الدول مواقف واضحة في شأن معارضتها للتوسع والإستيطان في الاراضي الفلسطينية وتقاطع منتجاتها ، كما نشطت بعض الحركات في فرض بعض العقوبات على اسرائيل مثل المقاطعة الأكاديمية وغيرها ، وبدأت هذة المواقف تؤثر فعلا في صورة إسرائيل وكشفت حقيقتها العنصرية والعدوانية .
لقد إستنفذت الحركة الصهيونية وكيانها دور الضحية المتميزة، وآن للمجتمع الدولي أن يسقط مفهوم (الضحية المتميزة) وأن يفتح عينيه على جرائم الميز والفصل العنصري الذي تمارسه إسرائيل، وأن ينتصر للعدل وللحق وللأمن والحرية والمساواة للجميع، وأن لا يبقى مسلوب الإرادة خاضعاً لإستغباء وإبتزاز الحركة الصهيونية وكيانها (إسرائيل)، لابد من مواجهة الحقيقة وإسقاط الأقنعة وسياسات الإبتزاز، ولا مكان للتمييز بين ضحية وأخرى، أو إنسان وآخر بغض النظر عن لونه أو دينه أو جنسه، في عالم مدني متحضر.
د. عبد الرحيم محمود جاموس
عضو المجلس الوطني الفلسطيني
E-mail: pcommety @ hotmail.com
الرياض

نداء الوطن