
دوسلدورف/أحمد سليمان العُمري
الرياضة حين ارتدت ثوب السياسة
لم يكن مونديال 2026 بطولة كأس عالم بالمعنى الذي عرفناه لعقود، فمنذ المباراة الأولى، بدا واضحاً أن كرة القدم لم تعد هي البطل الوحيد، بل زاحمتها السياسة الملعب، ولم تعد الجماهير تناقش الخطط وتكتيك أبطال الكرة بقدر ما راحت تتحدّث عن الرؤساء والتحالفات والتأشيرات ومنع اللاعبين من دخول أمريكا والمواقف السياسية من وراء ذلك، وكأن البطولة تحولت إلى امتداد للصراع الدولي أكثر من كونها مهرجانا رياضيا.
لقد حضرت الولايات المتحدة، الدولة المضيفة بثقلها السياسي قبل أن تحضر بملاعبها ومرافقها الرياضية المهيأة لهذا الحدث الكبير، حتى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كان جزءاً من المشهد العام، فيما بدا الاتحاد الدولي لكرة القدم في أكثر من مناسبة أقرب إلى مسايرة ترامب ونفاقه منه إلى الوقوف على المسافة نفسها من الجميع.
كما أثارت قضايا التأشيرات والهجرة، وصعوبة دخول جماهير وبعض العاملين في الوسط الرياضي من دول مختلفة، تساؤلات حول قدرة بطولة يفترض أنها عالمية على أن تكون مفتوحة أمام العالم كلّه.
ولعل أكثر المشاهد دلالة على تسييس البطولة، ذلك المشهد المبتذل الذي وقف فيه رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم «جياني إنفانتينو» إلى جانب دونالد ترامب، ليصف مونديال 2026 بأنه «أعظم حدث شهدته البشرية».
البطولة لم تخل من انتقادات واسعة؛ إذ شكا المشجعون من صعوبة التنقّل بين المدن المضيفة، وارتفاع أسعار التذاكر، والحرارة الشديدة في بعض المباريات، كما أثير جدل حول قيود التأشيرات التي أثّرت في قدرة جماهير وبعض العاملين في الوسط الرياضي على دخول الولايات المتحدة.
وهنا تجسّدت إحدى صور تسييس الرياضة؛ فعندما يصبح رئيس أعلى مؤسّسة كروية في العالم أقرب إلى ترديد خطاب الدولة المضيفة من تقديم تقييم مستقل للبطولة، تتراجع المسافة بين المؤسّسة الرياضية والسلطة السياسية.
لم يعد الحديث عن جودة التنظيم وحدها، بل عن صناعة رواية سياسية تمنح الحدث هالة تتجاوز ما جرى على أرض الواقع.
ولم يقف الأمر عند الخطاب السياسي والإعلامي، بل امتد إلى أرض الملعب نفسه، حيث أصبحت بعض القرارات الرياضية موضع قراءة سياسية لدى الجماهير، وكانت مواجهة الأرجنتين ومصر واحدة من أكثر اللحظات إثارة للجدل في البطولة، بعدما خرج المنتخب المصري من المنافسة عقب مباراة شهدت قرارات تحكيمية أثارت اعتراضات واسعة، من بينها إلغاء هدف مصري عبر تقنية الـ VAR في قرار مجحف، حرم المنتخب المصري من حقه في المنافسة.
ورأى كثير من المتابعين والمحللين الرياضيين أن مصر قدّمت أداء يؤهّلها للخروج بنتيجة أفضل، وأن بعض القرارات التحكيمية أثّرت في مسار المباراة. وبينما اعتبر آخرون أن ما حدث يدخل ضمن أخطاء التحكيم الطبيعية، فإن الجدل الذي رافق اللقاء كشف حجم فقدان الثقة لدى شريحة كبيرة من الجماهير، خصوصا في بطولة أصبحت السياسة حاضرة فيها بجلاء.
الكأس أكثر من بطولة
ومن هنا اكتسبت المباراة النهائية بين إسبانيا والأرجنتين أبعاداً تجاوزت حدود المنافسة الرياضية، فقد قرأها السواد الأعظم من الجماهير من خلال عدسة السياسة، وربطوا بين المنتخبين وبين اصطفاف نتنياهو وترامب مع الأرجنتين والموقف الإسباني وفريقه الرياضي تجاه القضية الفلسطينية التي رافقت البطولة منذ انطلاقها.
وعندما أحرزت إسبانيا هدفها الوحيد وتوّجت بكأس العالم لم يكن الاحتفال عند هؤلاء فرحة بلقب عالمي مُعتاد، بل رأى جُلّهم في النتيجة انتصاراً رمزياً على الرواية السياسية المناصرة للقضية الفلسطينية التي فرضت نفسها بجدارة واستحقاق على البطولة، أكثر من كونها خسارة في الجانب الآخر لمنتخب عريق، واصطفاف سياسي ذميم من خلفه.
لقد أثبت هذا المونديال أن السياسة حين تدخل الملعب لا تكتفي بالجلوس في المدرجات، بل تحاول التأثير في كل شيء؛ في الخطاب الإعلامي وفي صورة البطولة، وفي طريقة تلقي الجماهير لكل مباراة، ما لوحظت بوادره في المواقع الرقمية بشكل لافت. ولهذا سؤال: من لعب أفضل بدا وكأنه استطرادا، ليُصبح: ماذا يمثّل هذا المنتخب ومع أي معسكر يُصنّف ومن المستفيد من انتصاره هو محور الحديث الرئيس.
ومهما اختلفت الآراء حول هذه القراءة، فإن الحقيقة التي يصعب إنكارها هي أن مونديال 2026 سيبقى في الذاكرة بوصفه البطولة التي تداخلت فيها السياسة مع الرياضة على نحو غير مسبوق، لتُصبح واحدة من أسوأ البطولات على الإطلاق، ويبقى في الجانب الآخر مونديال قطر 2022 المعيار الحقيقي والأكثر إبهاراً في تاريخ كأس العالم، بعيدا عن المجاملات السياسية.
لكن كرة القدم في نهاية المطاف استعادت الكلمة الأخيرة، حين رفع الفريق الإسباني الكأس باقتدار داخل الملعب، إلّا أن المونديال نفسه سيظل شاهدا على مرحلة أصبح فيها الهدف يحمل رسالة، وأصبحت صافرة الحكم تتردد أصداؤها في السياسة بقدر ما تتردد في الملاعب. وربما كان هذا هو الإرث الحقيقي لمونديال 2026؛ بطولة أثبتت أن السياسة تستطيع أن تزاحم كرة القدم، لكنها لم تستطع أن تُسدّد الكرة في المرمى الإسباني متجاوزة نُخبة من الأبطال، استطاعوا حسم النزال وقول الكلمة الأخيرة في الملعب.
ولا عزاء لمن أراد تسييس الكرة، ولمن استنفر لميسّي حميّة وجعله أصدق من القضية... الكرة احتضنتها الآن إسبانيا ذهبية لهذا العام بجدارة وألمعية.