
التمدد الاستيطاني والاعتداءات على الأماكن المقدسة
بقلم : سري القدوة
الثلاثاء 13 كانون الثاني / يناير 2025.
الجمعيات الاستعمارية، وبمساندة سلطات الاحتلال، تقود منذ عقود حملات منظمة لإخلاء العائلات الفلسطينية في الشيخ جراح، مستخدمة أدوات قانونية وتخطيطية وإدارية غير مسبوقة، لتحقيق الهدف ذاته المتمثل بالتهجير القسري وتثبيت الوجود الاستعماري في قلب الحي، وتشمل هذه السياسات مشاريع "تجديد حضري" واسعة النطاق، تتضمن بناء نحو ألفي وحدة للمستعمرين، أي ما يفوق عدد المنازل الفلسطينية القائمة في الحي بأكمله، مع إقصاء السكان الفلسطينيين كلياً، إلى جانب تسجيل وتسوية أراض لصالح المستعمرين، والاستيلاء على المساحات العامة، وإعادة تخصيصها لخدمة مشاريع دينية وقومية يهودية .
ما يجري في الشيخ جراح يتجاوز مخططا واحدا، ليشكل سياسة ممنهجة لإعادة تشكيل الحي ديمغرافيا وعمرانيا، حيث تطرح مشاريع استعمارية إضافية، إلى جانب مساع حثيثة لربط هذه المشاريع بالبؤر في الشطر الشرقي، مروراً بمناطق كرم المفتي وجبل المشارف، بما في ذلك محيط الجامعة العبرية، ويهدف هذا الربط إلى تقسيم الحي إلى شطرين شمالي وجنوبي، وتسهيل السيطرة عليه، وربط شطري القدس الشرقي والغربي عبر طوق استعماري متصل داخل الأحياء الفلسطينية، لا سيما في المناطق المصنفة تاريخيا كمنطقة فاصلة بين عامي 1948 و1967.
ما يعرف بمخطط عطروت لا يمكن فصله عن أهدافه الإستراتيجية بعيدة المدى، وفي مقدمتها القضاء على ما كان يعرف بمطار الدولة الفلسطينية المستقبلية، والذي شكل رمزا سياديا وسياسيا مهما، كما يهدف المخطط إلى تكريس الفصل بين التجمعات الفلسطينية الواقعة خلف الجدار وتلك الموجودة أمامه، عبر خلق سد استعماري بشري يمنع أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية ذات تواصل جغرافي، ويندرج المخطط كذلك ضمن مشروع "القدس الكبرى" بالمفهوم الإسرائيلي، الذي يهدف إلى ضم ما يقارب 10 بالمائة من مساحة الضفة الغربية، من خلال شبكة أنفاق وطرق التفافية لربط المستعمرات الواقعة شمال شرق القدس .
الاحتلال ومنذ مطلع العام الماضي اعتدى على المسجد الأقصى من خلال سماحه لعصابات المستعمرين الإرهابيين باقتحامه وتدنيس ساحاته ومصاطبه، وذلك لـ(280) مرة، مارس خلالها المستعمرون شعائر تلمودية أصبحت تمارس بشكل يومي كالسجود الملحمي، بالإضافة إلى النفخ بالبوق، في إظهار واضح لممارستهم وصلواتهم التلمودية الجماعية والتي تمارس في مكان محدد لتكرس التقسيم الزماني والمكاني، وأن هذه الاقتحامات تتم تحت إشراف وحماية شرطة الاحتلال التي تمنع بشكل دائم حراس المسجد الأقصى التابعين لدائرة الأوقاف في القدس من قيامهم بعملهم داخل ساحاته .
التمدد الاستيطاني في القدس والاعتداءات على الأماكن المقدسة والمصلين المسيحيين يتواصل في ظل إقدام جماعات دينية يهودية متطرفة بالاعتداء على الحجاج المسيحيين في مدينة القدس المحتلة، وتحديدا في منطقة كنيسة حبس المسيح، كما ضيقت عليهم خلال الأعياد المسيحية، ومنعتهم من الوصول إلى كنيستي المهد والقيامة .
يسعى الاحتلال إلى قلب الميزان الديمغرافي لصالحه، عبر سياسات الطرد والهدم بحق الفلسطينيين، مقابل الإحلال السكاني الاستعماري، وهو ما تثبته الوثائق والخطط الرسمية الإسرائيلية بما فيها مخطط "نحلات شمعون" في حي الشيخ جراح، وتحديداً في منطقة أرض النقاع، والذي يقضي بهدم الحي وبناء مستعمرة على مساحة تقارب 17 دونما، تضم 316 وحدة على أنقاض منازل نحو 40 عائلة فلسطينية، ويستند هذا المخطط إلى منظومة قوانين تمييزية عنصرية، تتيح للجمعيات الاستعمارية المطالبة بأملاك تعود إلى ما قبل عام 1948، في حين يحرم الفلسطينيون من الحق ذاته في استعادة أملاكهم التي هجروا منها قسرا .
سفير الإعلام العربي في فلسطين
رئيس تحرير جريدة الصباح الفلسطينية
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.